محمد متولي الشعراوي

9345

تفسير الشعراوي

الأرض وزراعتها ، كما أمركم الله : { هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا } [ هود : 61 ] . وقد غفلنا زمناً عن هذه المسألة ، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة العدد وقِلَّة المدد ، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها . وما دام أن الخالق عَزَّ وَجَلَّ خلق لنا أرزاقنا ومُقوِّمات حياتنا ، وجعلها مناسبة لهذا الإنسان الذي كرّمه وجعله خليفة له في الأرض ، وجعل لهذا الرزق ولهذه المقوّمات حدوداً حدّها وبيَّنها هي ( الحلال ) ، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن تتعدى هذه الحدود ، وتطغى في تناول طعامك وشرابك . ونحن نرى حتى الآلات التي صنعها البشر ، لكل منها وقودها الخاص ، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي مهمتها ، فمثلاً لو وضعت للطائرة سولاراً لا تتحرك ، فليس هو الوقود المناسب لطبيعتها . إذن : حدودك في مُقوِّمات حياتك الحلال ، ولو استقرأنا ما أحلَّ الله وما حرَّم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال ، والكثير هو المحلل لك ، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده . لذلك يقول عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [ الأنعام : 151 ] ولم يقُلْ مثلاً في آية أخرى : تعالوا أَتْلُ ما أحل الله لكم ؛ لأنها مسألة تطول ولا تحصى . إذن : ساعةَ أعطاك ربك قال لك : هذا رِزْقُك الحلال الخالص ، ومنه وقودك ومُقوِّمات حياتك ، وبه بقاؤك ونشاط حركتك . فلا تتعدَّ الحلال على كثرته إلى الحرام على قِلَّته وانحصاره في عِدَّة أنواع ، بيَّنها لك وحذَّرك منها . وبالغذاء تتم في الجسم عملية ( الأَيْض ) يعني : الهدم والبناء ، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك ، فإياك أنْ تبني ذَرَّة